أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
114
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
هذه الحال بين المصدر ومطلوبه » ، وفي منعه ومنع أبي البقاء ذلك نظر ، لأن الحال وإن كانت جملة ليست أجنبية حتى يمنع الفصل بها ، لأنها من جملة مطلوبات المصدر ، وقد تقدم لي نظير ذلك بأشبع من هذا . قوله : « نَرْفَعُ » فيه وجهان : الظاهر منهما : أنها مستأنفة ، لا محل لها من الإعراب . الثاني - جوّزه أبو البقاء ، وبدأ به - : أنها في موضع الحال من « آتَيْناها » . يعني من فاعل « آتَيْناها » ، أي : في حال كوننا رافعين ، ولا تكون حالا من المفعول ، إذ لا ضمير فيها يعود إليه . ويقرأ « نَرْفَعُ » بنون العظمة بياء الغيبة ، وكذلك « نَشاءُ » . وقرأ أهل الكوفة « دَرَجاتٍ » بالتنوين ، وكذا التي في يوسف « 1 » ، والباقون بالإضافة فيهما ، فقراءة الكوفيين يحتمل نصب « دَرَجاتٍ » فيها من خمسة أوجه : أحدها : أنها منصوبة على الظرف ، و « مَنْ » مفعول « نَرْفَعُ » ، أي : نرفع من نشاء مراتب ومنازل . والثاني : أن ينتصب على أنه مفعول ثان قدّم على الأول ، وذلك يحتاج إلى تضمين « نَرْفَعُ » معنى فعل يتعدى لاثنين ، وهو « نعطي » مثلا ، أي : نعطي بالرفع من نشاء درجات ، أي : رتبا ، فالدّرجات هي المرفوعة ، كقوله : رَفِيعُ الدَّرَجاتِ « 2 » ، وفي الحديث : « اللهمّ ارفع درجته في علّيّين « 3 » ، وإذا رفعت الدّرجة فقد رفع صاحبها . والثالث : أن ينتصب على حذف الجر ، أي : إلى منازل ، وإلى درجات . الرابع : أن ينتصب على التمييز ، ويكون منقولا من المفعولية ، فيؤول إلى قراءة الجماعة ، الأصل : نرفع درجات من نشاء ، بالإضافة ثم حوّل ، كقوله : وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً « 4 » ، أي : عيون الأرض . الخامس : أنها منتصبة على الحال ، وذلك على حذف مضاف ، أي : ذوي درجات ، ويشهد لهذه القراءة قوله تعالى : وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ « 5 » ، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ « 6 » ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى « 7 » وأما قراءة الجماعة ف « دَرَجاتٍ » مفعول « نَرْفَعُ » . والخطاب في « إِنَّ رَبَّكَ » للرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وقيل : لإبراهيم الخليل ، فعلى هذا يكون فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب منبها بذلك على تشريفه له . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 84 إلى 89 ] وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 84 ) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 85 ) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ ( 86 ) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 87 ) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 88 ) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ( 89 )
--> ( 1 ) آية ( 76 ) . ( 2 ) سورة غافر ، آية ( 15 ) . ( 3 ) أخرجه مسلم 2 / 634 كتاب الجنائز ( 7 - 920 ) وأحمد في المسند 6 / 297 . ( 4 ) سورة القمر ، آية ( 12 ) . ( 5 ) سورة الأنعام ، آية ( 165 ) . ( 6 ) سورة الزخرف ، آية ( 32 ) . ( 7 ) سورة البقرة ، آية ( 253 ) .